القرطبي

400

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية والأربعون - لا إشكال في أن من وجبت عليه شهادة على أحد الأوجه التي ذكرناها فلم يؤدها أنها جرحة في الشاهد والشهادة ، ولا فرق في هذا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين وهذا قول ابن القاسم وغيره . وذهب بعضهم إلى أن تلك الشهادة إن كانت بحق من حقوق الآدميين كان ذلك جرحة في تلك الشهادة نفسها خاصة ، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك . والصحيح الأول ، لان الذي يوجب جرحته إنما هو فسقه بامتناعه من القيام بما وجب عليه من غير عذر ، والفسق يسلب أهلية الشهادة مطلقا ، وهذا واضح . الثالثة والأربعين - لا تعارض بين قوله عليه السلام : " خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " وبين قوله عليه السلام في حديث عمران بن حصين : " إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - ثم قال عمران : فلا أدرى أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثا - ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن ( 1 ) " أخرجهما الصحيحان . وهذا الحديث محمول على ثلاثة أوجه : أحدها أن يراد به شاهد الزور ، فإنه يشهد بما لم يستشهد ، أي بما لم يتحمله ولا حمله . وذكر أبو بكر بن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بباب الجابية فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا كمقامي فيكم ثم قال : " يا أيها الناس اتقوا الله في أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب وشهادة الزور " . الوجه الثاني أن يراد به الذي يحمله الشره على تنفيذ ما يشهد به ، فيبادر بالشهادة قبل أن يسألها ، فهذه شهادة مردودة ، فإن ذلك يدل على هوى غالب على الشاهد . الثالث ما قاله إبراهيم النخعي راوي ( 2 ) طرق بعض هذا الحديث : كانوا ينهوننا ونحن غلمان عن العهد والشهادات . الرابعة والأربعون - قوله تعالى : ( ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ) " تسأموا " معناه تملوا . قال الأخفش : يقال سئمت أسأم سأما وسآمة وسآما [ وسأمة ( 3 ) ] وسأما ، كما قال الشاعر : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا - لا أبالك - يسأم

--> ( 1 ) هذه رواية مسلم . ( 2 ) في ب وج وه‍ وط : بأثر طرق . ( 3 ) في وج‍ واللسان .